ثمة فنانون تنتهي قصتهم حين يصمت صوتهم، وثمة آخرون يتركون وراءهم شيئا يتجاوز الأغنية. عمر بوتمزوغت ينتمي إلى الصنف الثاني. فالفنان الأمازيغي الذي غادر الحياة عن 62 عاما لم يكن مجرد مغن وعازف من أبناء الأطلس، بل كان جزءا من جيل حمل الأغنية الأمازيغية من الذاكرة الشفوية إلى فضاء التسجيل والانتشار، وظل وفيا لملامحها الأولى في زمن أخذت فيه الموسيقى تتغير بسرعة.
من الخميسات، حيث ولد سنة 1964، بدأت الحكاية. هناك، في المجال الممتد بين المدينة وفضاءات الأطلس المتوسط، تشكل وعيه الموسيقي الأول. لم يحتج بوتمزوغت إلى مسافة طويلة كي يكتشف عالمه؛ كان محيطه نفسه مليئا بالأصوات والحكايات والألحان. ومن بين الأسماء التي تركت أثرها في تكوينه الفني، برز رواد الأغنية الأطلسية والأمازيغية، وفي مقدمتهم حمو أوليازيد ومحمد مغني ومحمد رويشة، قبل أن يقرر أن يجعل من الموسيقى طريقه الخاص.
كان الوتر في تجربة بوتمزوغت أكثر من آلة للعزف. كان أقرب إلى لغة ثانية. ومن خلاله حاول أن يحافظ على نبرة موسيقية مرتبطة بالأطلس، وعلى علاقة قديمة بين القصيدة واللحن والحياة اليومية. لم تكن أغانيه تبحث فقط عن الإيقاع، بل كانت تستمد مادتها من الإنسان: الحب، الأم، العلاقات الاجتماعية، التحولات، والهموم التي يعيشها الناس في تفاصيلهم الصغيرة.
ولعل “سامحي يا يما” تختصر جانبا من هذا العالم. ففي تجربة بوتمزوغت، كانت الأغنية قريبة من المتلقي لأنها لم تتحدث إليه من برج فني عال، بل تحدثت بلغته وذاكرته. وعلى امتداد مساره، ترك ثمانية أشرطة غنائية، وظل حاضرا في المشهد الأمازيغي والأطلسي، محافظا على أسلوبه وعلى اختياره الفني، حتى حين لم تكن الأضواء بالقدر نفسه الذي تحظى به أسماء أخرى.
لكن مسيرة الفنان لم تكن خالية من الوجه الآخر للمهنة. خلف الخشبة، والحفلات، والأغاني، عاش بوتمزوغت جزءا من مساره بعيدا عن بريق النجومية. وحين اشتد عليه المرض، خصوصا بعد إصابته على مستوى الحلق، وجد نفسه أمام مفارقة قاسية: الفنان الذي عاش من صوته اضطر إلى الصمت، والعازف الذي جعل الوتر رفيقه صار منشغلا بمعركة أخرى، هذه المرة مع المرض وتكاليف العلاج.
في أسابيع المرض الأخيرة، ظهر جانب آخر من علاقته بالمشهد الفني الأمازيغي. فقد زاره عدد من الفنانين في مبادرة تضامنية، في إشارة إلى أن المسافة بين بوتمزوغت وجمهوره وزملائه لم تكن مجرد علاقة فنية، بل امتدت إلى روابط إنسانية تشكلت على مدى عقود. كان الجسد يضعف، لكن المكانة التي صنعها بالصوت والوتر ظلت حاضرة.
رحل عمر بوتمزوغت، لكن الأغنية التي حملها لم ترحل معه. فقد ينتهي عمر الفنان، وتتوقف الحفلات، ويخفت الصوت، غير أن بعض التجارب تستمر لأنها تصبح جزءا من ذاكرة الناس. وربما هنا تكمن قيمة بوتمزوغت الحقيقية: لم يحاول أن يكون نسخة من أحد، ولم يحتج إلى القطيعة مع جذوره كي يثبت حضوره. اختار أن يغني من المكان الذي جاء منه، وباللغة التي تشكل وجدانه، وبالوتر الذي ظل أقرب إلى رفيق منه إلى آلة.
وعندما يستعيد الجمهور صوته بعد سنوات، لن يستعيد فقط أغنية أو لحنا. سيستعيد معه زمنا كاملا من الأغنية الأمازيغية، حين كان الفنان يحمل ذاكرة جماعية على كتفيه، ويكفيه وتر وصوت وكلمات كي يحول تجربة فردية إلى جزء من حكاية جماعة. ذلك هو الإرث الذي تركه عمر بوتمزوغت: أن بعض الأصوات لا تنتهي حين تصمت، لأنها تكون قد أصبحت ذاكرة.