تستلم الحكومة المقبلة مهامها في ظرف استثنائي، حيث لن يكون أمامها هامش واسع للتجربة أو الانتظار، في ظل تراكم ملفات اقتصادية واجتماعية ومائية وسياسية، يتقدمها استحقاق كبير بحجم كأس العالم 2030، الذي سيجعل المغرب تحت أنظار العالم، ويضع الدولة والحكومة أمام موعد لا يتعلق فقط بتنظيم مباريات، وإنما بإعادة ترتيب جزء مهم من البنية التحتية والخدمات والنقل والسياحة والتهيئة الحضرية، وضمان جاهزية المدن والمرافق في الآجال المحددة.
1. مونديال 2030.. السباق مع الزمن
وتكمن صعوبة مونديال 2030 في أن نجاحه لن يقاس فقط بقدرة الملاعب على استقبال المباريات، بل كذلك بما سيتركه من ارث بعد انتهاء المنافسة. وهو ما يفرض على الحكومة المقبلة التفكير منذ الآن في كيفية تحويل الاستثمارات المرتبطة بالمونديال إلى بنية تحتية قابلة للاستعمال على المدى الطويل، وفرص اقتصادية حقيقية، وتحسين مستدام للنقل والخدمات والسياحة والرياضة.
2. الوحدة الترابية.. جبهة داخلية أكثر تماسكا
وإلى جانب الاستحقاق الرياضي الدولي، ستجد الحكومة المقبلة نفسها أمام ملف الوحدة الترابية، وفي مقدمته تنزيل الحكم الذاتي، بما يتطلبه ذلك من يقظة دبلوماسية وسياسية، وتعبئة داخلية، وانسجام بين مختلف مؤسسات الدولة، فضلا عن فريق حكومي قادر على العمل بإيقاع منتظم وعلى تحويل المواقف السياسية إلى سياسات ومبادرات عملية.
3. التقلبات الدولية.. استراتيجية مرنة أمام عالم متغير
كما أن السياق الدولي المتغير يفرض التخلي عن منطق الاستراتيجية الجامدة، والانتقال إلى مقاربة تقوم على سيناريوهات متعددة قادرة على التكيف مع التحولات الجيوسياسية والاقتصادية، خصوصا في ظل اضطرابات أسواق الطاقة وتغيرات الاقتصاد العالمي.
4. التشغيل.. الاختبار الاجتماعي الأكثر حساسية
لكن الاختبار الأكبر سيبقى في سوق الشغل. فالمغرب يحتاج إلى خلق وظائف بوتيرة تتجاوز ما تحقق خلال السنوات الماضية، خصوصا بالنسبة إلى الشباب والنساء، في وقت تشير فيه معطيات البنك الدولي إلى استمرار ضعف سوق العمل وارتفاع مستويات الاستغلال غير الكامل للقدرات البشرية.
وتزداد حساسية هذا الملف بسبب الفجوة بين التكوين ومتطلبات سوق العمل، وبين الشهادات الجامعية والفرص المتاحة، فضلا عن الفئات التي تجد صعوبة كبيرة في الولوج إلى سوق الشغل أصلا. لذلك لن يكون المطلوب مجرد برامج مؤقتة للتشغيل، وإنما إعادة التفكير في العلاقة بين التعليم والتكوين والاستثمار والسياسة الصناعية وسوق العمل.
5. الماء.. أزمة تتجاوز سنوات الجفاف
وسيكون الماء واحدا من أكثر الملفات استعجالا أمام الحكومة المقبلة. فالمغرب يواجه ضغطا متزايدا على موارده المائية نتيجة توالي سنوات الجفاف والتغيرات المناخية، وهو ما يجعل الأمن المائي مرتبطا مباشرة بالأمن الاقتصادي والغذائي والاجتماعي.
ولا يمكن فصل أزمة الماء عن مستقبل العالم القروي. فكلما تراجعت قدرة هذه المناطق على الحفاظ على النشاط الفلاحي وتوفير شروط العيش، ارتفعت احتمالات الهجرة نحو المدن، بما يضيف ضغطا جديدا على السكن والنقل والخدمات وفرص العمل.
6. الأمن الغذائي.. ما بعد منطق الإنتاج وحده
وسيكون الأمن الغذائي بدوره أمام اختبار حقيقي. فالمطلوب لم يعد فقط رفع حجم الإنتاج الفلاحي، وإنما تحقيق توازن بين التصدير وحاجيات السوق الداخلية، وضمان توفر المنتجات الأساسية بأسعار يمكن للأسر تحملها.
وتكشف أسعار عدد من المواد، وفي مقدمتها اللحوم، عن حجم التعقيد الذي يواجهه هذا القطاع، حيث تتداخل كلفة الإنتاج والماء والأعلاف والاستيراد والتوزيع وهوامش الوسطاء مع القدرة الشرائية للمواطنين.
7. غلاء المعيشة.. الاختبار اليومي للحكومة
وستجد الحكومة المقبلة نفسها كذلك أمام سؤال القدرة الشرائية. فحتى مع تراجع معدلات التضخم مقارنة بمستويات سابقة، تبقى الأسعار ومستوى المداخيل من الملفات الأكثر حضورا في الحياة اليومية للأسر.
وسيكون الحوار الاجتماعي أمام اختبار جديد، خصوصا مع المطالب المرتبطة بالأجور والحد الأدنى للأجر، في وقت تحتاج فيه الدولة إلى تحقيق توازن صعب بين تحسين دخل المواطنين والمحافظة على التوازنات المالية وقدرة المقاولات على الاستثمار والتشغيل.
8. التعليم والصحة والتقاعد.. ثلاثية الإصلاح الاجتماعي
وفي المجال الاجتماعي، ستبرز ثلاثة ملفات كبرى تتعلق بالتعليم، والصحة، والتقاعد.
فالتعليم يحتاج إلى إصلاح لا يقتصر على تغيير البرامج أو البنية الإدارية، بل يمس جودة التعلمات، ومكانة المدرسة العمومية، وعلاقة التكوين بسوق الشغل.
أما الصحة، فالتحدي يتمثل في الانتقال من توسيع التغطية الصحية إلى ضمان استفادة فعلية من خدمات صحية ذات جودة، مع معالجة إشكالات كلفة العلاج والأدوية وقدرة القطاع العمومي على استيعاب الطلب المتزايد.
أما التقاعد، فيحتاج إلى معالجة سياسية واجتماعية شاملة، لأن أي إصلاح لهذا الملف سيؤثر في ملايين المغاربة، ولن يكون من السهل اختزاله في معادلات تقنية مرتبطة بالتوازنات المالية للصناديق.
9. دولة الرعاية الاجتماعية.. من المؤشرات إلى الأثر
وسيظل الرهان الأكبر هو قدرة الحكومة على تحويل ورش الدولة الاجتماعية من منظومة برامج ومؤشرات إلى واقع يلمسه المواطن في حياته اليومية.
فالدولة الاجتماعية لا تقاس فقط بعدد المستفيدين من الدعم أو اتساع قاعدة التغطية، وإنما بقدرة المواطن على الوصول إلى تعليم جيد، وصحة لائقة، وسكن مناسب، وشغل يوفر دخلا مستقرا، وتقاعد يضمن الحد الأدنى من الأمان الاجتماعي.
10. مدن بسرعات مختلفة.. تحدي الفوارق المجالية
ومن الملفات التي لن يكون ممكنا تأجيلها أيضا تقليص الفوارق المجالية. فبينما تستفيد بعض المدن والمناطق من استثمارات كبرى وبنيات تحتية متقدمة، لا تزال مناطق أخرى تواجه خصاصا في النقل والصحة والتعليم وفرص العمل.
وهنا تبرز أهمية أن تكون استثمارات مونديال 2030 جزءا من سياسة تنموية أوسع، لا أن تتركز فقط في المدن المستضيفة. فالاستثمار المرتبط بالحدث يمكن أن يتحول إلى فرصة لتقوية الربط بين الجهات، وتحسين النقل والخدمات، وتوسيع الاستفادة الاقتصادية من السياحة والبنية التحتية.
11. المديونية والطبقة المتوسطة.. هوامش الحركة تحت الضغط
كل هذه الرهانات تأتي في ظل حاجة إلى تمويل مشاريع ضخمة، وفي مقدمتها تلك المرتبطة بالمونديال والبنية التحتية والماء والحماية الاجتماعية، وهو ما يفرض على الحكومة تدبيرا دقيقا للمالية العمومية، وترتيب الأولويات، والبحث عن استثمارات خاصة وشراكات قادرة على تخفيف الضغط عن الميزانية.
وفي المقابل، تحتاج الحكومة إلى الحفاظ على جاذبية الاقتصاد للاستثمار، وخلق شروط تسمح للقطاع الخاص بأن يصبح محركا أكبر للتشغيل والنمو.
ويبقى مستقبل الطبقة المتوسطة واحدا من الملفات التي يصعب تجاهلها. فكلما اتسعت الفجوة بين الدخول وتكاليف المعيشة، أصبح الحفاظ على هذه الطبقة أكثر صعوبة، بينما يؤدي ضعفها إلى تقليص الحركية الاجتماعية وإضعاف قدرتها على لعب دورها التقليدي كوسيط بين الفئات الاجتماعية.
ومن هنا، فإن مواجهة غلاء المعيشة لا ترتبط فقط بالدعم أو الزيادات الظرفية في الأجور، وإنما بخلق اقتصاد منتج يوفر وظائف مستقرة، ويزيد المداخيل، ويخفض كلفة بعض الخدمات والمواد الأساسية.
حكومة بموعد نهائي اسمه 2030
في النهاية، لن تواجه الحكومة المقبلة ملفا واحدا، وإنما شبكة من الملفات المترابطة. فمونديال 2030 يفرض تسريعا للاستثمارات والبنية التحتية، والتشغيل يحتاج إلى نمو أكثر شمولا، والماء يفرض إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية، والأمن الغذائي يرتبط بالفلاحة والموارد المائية والأسعار، بينما تتطلب التعليم والصحة والتقاعد إصلاحات اجتماعية عميقة.
وبذلك، سيكون التحدي الحقيقي أمام الحكومة المقبلة هو قدرتها على إدارة هذه الملفات في وقت واحد، من دون أن يتحول تسريع الاستعداد لمونديال 2030 إلى استنزاف للأولويات الاجتماعية، ومن دون أن تؤدي الإصلاحات الاجتماعية إلى تجاهل التوازنات الاقتصادية والمالية.
فالموعد الرياضي محدد سلفا، لكن الأسئلة التي ستبقى بعد صافرة النهاية ستكون أكبر بكثير من كرة القدم: ماذا ستبقى للمغرب من البنية التحتية؟ كم فرصة عمل ستولد؟ هل ستتحسن الخدمات؟ هل ستتراجع الفوارق المجالية؟ وهل ستنجح الدولة في تحويل الاستثمارات الكبرى إلى مكاسب اقتصادية واجتماعية دائمة؟
وهنا تحديدا سيكون الامتحان الحقيقي للحكومة المقبلة: ليس فقط أن تكون البلاد جاهزة لاستقبال العالم سنة 2030، وإنما أن يكون المغرب أكثر قدرة على الاستفادة من هذا الموعد بعد مغادرة آخر مشجع.