يبدو أن بعض العائلات النافذة في اقليم خنيفرة تأخذ الانتخابات التشريعية على محمل شخصي اكثر من اللازم، لدرجة باتت معها تسعى إلى ضمان استمرار حضورها داخل مجلس النواب، مهما كان الثمن ومهما كان الحزب، وكأن المقعد البرلماني لم يعد مجرد تفويض انتخابي مؤقت، وإنما امتياز عائلي ينتقل من جيل إلى آخر.
فبعد تجربة زينب أمهروق ابنة حليمة عسالي، القيادية بالحركة الشعبية، التي ضمنت بسهولة، ودون مجهود يذكر، مقعدها في مجلس النواب المنتهية ولايته بعدما ترشحت وكيلة “للسبولة”، تبرز اليوم حالات مماثلة تعيد طرح السؤال حول حدود نفوذ العائلات وقدرتها على صناعة الخريطة السياسيية المحلية.
يتعلق الامر بحالة كل من النائبة التجمعية السعدية امحزون، التي يبدو انها عازمة على ضمان استمرار الحضور العائلي لآل امحزون تحت قبة البرلمان، من خلال إدراج ابنتها سارة ضمن لائحة مرشحات حزب الأصالة والمعاصرة بالدائرة الجهوية لبني ملال خنيفرة.
وكذا محمد عدال، البرلماني السابق والرجل القوي بمريرت واحوازها، الذي نجح في الدقيقة التسعين في أن يزكي ابنته آية وكيلة للائحة الجهوية للتجمع الوطني الأحرار.
دون إغفال هبة قبطي، وكيلة لائحة الاتحاد الاشتراكي، التي تحلم بإعادة اسم عائلتها للبرلمانية بعد تجربة سابقة لوالدها مكنته من الظفر بمقعد في مجلس النواب باسم الاتحاد الدستوري ممثلا عما كان يسمى آنذاك دائرة ميدلت لقباب .
المسألة هنا لا تتعلق بحق الابنة في الترشح، فهذا حق دستوري لا يمكن مصادرته، ولا بحق الأم او الاب في دعم الابنة، فهو أمر مقبول من حيث المبدأ. لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول المنافسة الانتخابية من سباق مفتوح أمام الكفاءات ومناضلات الأحزاب إلى مجال تتحكم فيه شبكات القرابة والنفوذ والقدرة على فرض الأسماء واللوائح.
فالمفروض أن جوهر العملية الانتخابية لا يرتبط باسم الأم أو الأب، بل بما راكمته المرشحة من تجارب شخصيىة، لأن السؤال الحقيقي ليس: من هي ابنة من؟ بل السؤال هو: ماذا قدمت؟ ما مشروعها؟ ما حضورها السياسي وامتداها الجماهيري؟ وما الذي يجعلها أكثر استحقاقا للترشح من عشرات الكفاءات التي قد لا تملك اسما عائليا نافذا ولا شبكة علاقات قادرة على إيصالها إلى مقدمة اللوائح؟
والقضية هنا ليست ضد عائلة معينة ولا ضد بنات وابناء السياسيين، وانما ضد فكرة ان يتحول النفوذ السياسي الى نوع من الارث العائلي بدل ان يكون نتيجة استحقاق حقيقي امام الناخبين. لأنه عندما تصبح القرابة جواز مرور إلى البرلمان، فإن الخطر لا يكمن فقط في وصول أفراد عائلة واحدة إلى المؤسسة التشريعية، بل في ترسيخ قناعة لدى المواطنين بأن السياسة مغلقة ومحصورة فقط أمام من يملك الإمكانيات بكل أشكالها.
ومن هنا مشروعية التحذير من أن الديمقراطية لا تفسد فقط بالتزوير أو شراء الأصوات؛ بل يمكن أن تضعف أيضا عندما تتحول السياسة إلى مجال مغلق تتوارث فيه العائلات مواقع النفوذ، بينما يكتفي المواطن بدور المتفرج على اطماع عائلات تحكم قبضتها على البلاد و تظن نفسها اكبر من العباد.