في أكتوبر 2024، عرف مجلس النواب توجيه أول سؤال كتابي، محرر بالكامل بالذكاء الاصطناعي، إلى الوزيرة المنتدبة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، معلنا، بشكل محتشم، دخول المؤسسة التشريعية عصر الـ”Ai”.
السؤال استفسر الوزيرة الوصية على القطاع الرقمي عن استراتيجية الحكومة لتطوير استخدامات الذكاء الاصطناعي بالمغرب، وعن البنية التحتية الرقمية الضرورية لمواكبة هذا التحول، إضافة إلى خطط تكوين الكفاءات الوطنية وتأهيل الشباب للاندماج في هذا المجال الذي أصبح يفرض نفسه عالميا بوتيرة متسارعة.
وحسب حصيلة غير نهائية، فقد تقدم أعضاء مجلس النواب بـ56 سؤال كتابي حول موضوع الذكاء الاصطناعي من أصل سؤال 23311 تم طرحها خلال السنوات الأربع الأولى من الولاية التشريعية الحالية، أي ما يعادل %0.24 من مجموع الأسئلة المطروحة، كما تقدموا خلال نفس الفترة بـ48 سؤال شفوي حول ذات الموضوع.
أما أعضاء مجلس المستشارين فقد طرحوا، خلال السنوات الأربع الأولى من الولاية التشريعية الحالية، 31 سؤال مرتبطا بموضوع الذكاء الاصطناعي، توزعت بين 10 أسئلة كتابية و21 سؤال شفوي.
هل البرلمان المغربي جاهز للتشريع للذكاء الاصطناعي؟
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية مرتبطة بالشركات الكبرى أو المختبرات الرقمية، بل تسلل أيضا إلى الحياة اليومية للمغاربة، سواء عبر التطبيقات الترفيهية والتعليمية والصحية وغيرها… غير أن هذا الإقبال على الاستهلاك الشعبي والجماهيري للتكنولوجيات الحديتة يتم وسط فراغ قانوني واضح. إذ لا يتوفر المغرب إلى حدود اليوم على مدونة أو إطار تشريعي خاص ينظم استخدامات الذكاء الاصطناعي.
وبما أن الطبيعة تخشى الفراغ، فإن هذا الافتقار إلى ترسانة قانونية مختصة، يفرض على البرلمان الإسراع بإعداد وإنتاج نصوص تشريعية لمواجهة الخطر القادم من وراء الشاشات، والإسراع بالدراسة والمصاذقة على المبادرات المطروحة من قبيل مبادرة الفريق الحركي الذي كان قد تقدم بمقترح قانون بشأن تنظيم استعمالات الذكاء الاصطناعي.
علما أن الرهان لم يعد مرتبطا فقط بإصدار نص قانوني جديد، بل بمدى قدرة البرلمان على إدراك ومواكبة التحولات الجذرية التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على المجتمع والاقتصاد والدولة. فالتحديات المطروحة لم تعد تتعلق بالتكنولوجيا وحدها، بل تمتد إلى حماية المعطيات الشخصية، والأمن السيبراني، والحقوق الفردية، وحتى مستقبل الديمقراطية المهددة بسلطة الخوارزميات وتأثيرها على الرأي العام.
وبين هذا وذاك، يظهر في المشهد إشكال أكثر خطورة يتعلق بمدى توفر أعضاء البرلمان على الكفاءة والخبرة اللازمة لمواكبة هذا التطور المتوحش.
فهل البرلمان المغربي مستعد فعلا لدخول معركة تشريعية بهذا الحجم؟..
عن ذلك يجيب ايشو محمد عادل، استاذ الاقتصاد بالمدرسة العليا للتكنولوجيا بخنيفرة التابعة لجامعة السلطان مولاي سليمان ببني ملال، أن “النقاش حول الذكاء الاصطناعي داخل البرلمان لا يمكن فصله عن إشكالية التكوين والكفاءة الرقمية لدى عدد من البرلمانيين. فالتشريع في مجالات الذكاء الاصطناعي يتطلب فهما عميقا للاقتصاد الرقمي، وحوكمة البيانات، والأمن السيبراني، وأخلاقيات التكنولوجيا، بينما الواقع يكشف عن وجود فجوة معرفية وتقنية واضحة داخل عدد من المؤسسات التمثيلية، ليس فقط بالمغرب بل حتى في تجارب دولية عديدة. كما أن ارتفاع نسب الهشاشة التعليمية والأمية الوظيفية لدى جزء من النخب السياسية المنتخبة يطرح تحديا حقيقيا أمام القدرة على استيعاب تعقيدات هذه التقنيات الحديثة ومراقبة آثارها الاقتصادية والاجتماعية بشكل فعّال”.
مضيفا أن “أي توجه نحو رقمنة العمل البرلماني وإدماج الذكاء الاصطناعي يفرض أولا الاستثمار في التكوين المستمر للبرلمانيين، وإحداث خلايا خبرة رقمية متخصصة داخل المؤسسة التشريعية، حتى لا يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة لدعم القرار إلى آلية قد تُضعف استقلالية القرار التشريعي نفسه”.
هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تحسين جودة التشريع والرقابة البرلمانية؟
بالمقارنة مع تجارب دولية يتضح أن بعض المؤسسات التشريعية الأروبية والآسيوية قد بدأت في الاستعانة بتقنيات الذكاء الاصطناعي في مجال صناعة القوانين، وكذا الاعتماد على أنظمة ذكية لتحليل مشاريع القوانين وتقييم الأثر المتوقع للنصوص قبل المصادقة عليها.
حيث بات يمكن للأنظمة الذكية أن تساهم في مقارنة مشاريع القوانين بالتشريعات السابقة، واكتشاف الثغرات الفانونية، إضافة إلى محاكاة التأثيرات المحتملة لبعض النصوص على الاقتصاد أو سوق الشغل أو الفئات الاجتماعية.
وحسب تقارير اعلامية، فإن الأمر لن يتوقف عند التشريع فقط، بل قد يمتد أيضا إلى الرقابة البرلمانية عبر تتبع السياسات العمومية وتحليل الأرقام والتقارير والمعطيات المالية… وهي المجالات التي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحدث فيها تحولا كبيرا من خلال تتبع تنفيذ البرامج الحكومية واكتشاف الاختلاالات أو التأخر في تنفيذ المشاريع العمومية بشكل أكثر دقة وسرعة.
غير أن هذه الصورة ليست مثالية ولا وردية إلى هذا الحد، بل تثير في نفس الوقت مخاوف وأسئلة تحذر من أن إدخال الذكاء الاصطناعي إلى المجال التشريعي قد يفتح الباب أمام إشكالات مرتبطة بحياد الخوازرميات، والتأثير على القرار السياسي عبر أنظمة رقمية قد لا تكون شفافة بشكل كامل. والنتيجة إمكانية تحويل البرلماني إلى مستهلك لتحليلات تقنية جاهزة، بدل أن يكون هو المسؤول الأول والأخير عن اتخاذ القرار السياسي.
فالخوارزميات ليست أدوات محايدة بشكل مطلق، يؤكد الباحث محمد عادل إيشو، الذي حذر من أنها قد تعكس تحيزات الجهة المطورة أو طبيعة البيانات المستعملة، مما قد يؤدي إلى توجيه القرار التشريعي بشكل غير مباشر وفق منطق تقني أو اقتصادي ضيق.
البرلمان والذكاء الاصطناعي.. سباق بين التكنولوجيا والقانون
في الوقت الذي يتسارع فيه تغلغل الذكاء الاصطناعي في مجالات الاقتصاد والإدارة والخدمات العمومية، يجد البرلمان نفسه أمام واقع جديد يتطلب إعادة التفكير في النصوص التشريعية لمواجهة القضايا والإشكالات المعقدة التي تطرحها الخوارزميات، والبيغ داتا، والتزييف العميق، وحماية المعطيات الشخصية.
وهو ما يكشف عن حاجة لا تتعلق فقط بإنتاج القوانين، بل بفهم طبيعة التحول الرقمي نفسه، واستيعاب حدوده ومخاطره، لأن العلاقة بين البرلمان والتشريع للذكاء الاصطناعي لم تعد علاقة تنظيم وتأطير بشكلها التقليدي، بل سباقا مفتوحا بين سرعة التكنولوجيا وبطء الإنتاج التشريعي.
سباق لا يحدد فقط شكل القوانين المقبلة، بل أيضا شكل الدولة والمجتمع في المستقبل.
وما بين سرعة التكنولوجيا وبطء التشريع، يبدو أن البرلمان المغربي سيجد نفسه في القريب العاجل في خضم صراع عنوانه الأكبر: من يسبق من.. القانون أم الخوارزميات؟
من يراقب الخوارزميات؟… التحدي التشريعي الجديد أمام البرلمان
لم تعد الخوارزميات مجرد أدوات تقنية صامتة تعمل خلف واجهات التطبيقات والمنصات الرقمية، بل أصبحت اليوم فاعلا غير مرئي يساهم في توجيه تدفق المعلومات، وترتيب الأولويات، وبالتالي التأثير في سلوك الأفراد والجماعات.
وأمام هذا التوسع المتسارع في استخدام الذكاء الاصطناعي، تبرز أسئلة جديدة تفرض نفسها على المشرّع: من يراقب الخوارزميات؟ ومن سيتحمل المسؤولية التي تتجاوز التشريع بالطريقة التقليدية إلى مراقبة “السلطة الخفية” التي تمارسها الأنظمة الرقمية؟
وعلى سبيل المقارنة، فقد بدأ الاتحاد الأوروبي في وضع وبلورة إطار تنظيمي متقدم يقوم على تشريعات تستهدف ضبط استخدامات الذكاء الاصطناعي، (Ai Act) مع التركيز على مبادئ الشفافية، وتقييم المخاطر، استنادا إلى مقاربة تعتبر أن الخوارزمية لم تعد مجرد أداة، بل مؤثرا في القرار يجب إخضاعه للرقابة القانونية والمؤسساتية.
هذا التوجه يفتح الباب أمام تحول عميق في وظيفة التشريع، حيث لم يعد القانون موحها فقط لسلوك البشر والمؤسسات، بل أصبح مطالبا أيضا بإخضاع الأنظمة التقينة للمساءلة، وتحديد المسؤولية القانونية في حال حدوث أخطاء أو أضرار ناتجة عن قرارات آلية.
في هذا السياق، يطرح سؤال الرقابة البرلمانية نفسه بإلحاح، فهل يمتلك البرلمان المغربي الأدوات القانونية والخبرات التقنية الكافية لمراقبة هذا النوع الجديد من “السلطة الرقمية”؟ وهل يمكن للمؤسسة التشريعية أن تكتفي بالقوانين التقليدية، أم أنها مضطرة إلى تطوير آليات جديدة للفهم والتتبع والمساءلة؟
إشكالية يجيب عنها إبراهيم اعبا، رئيس لجنة البنيات الأساسية والطاقة والمعادن والبيئة والتنمية المستدامة بمجلس النواب، بالدعوة إلى صياغة إطار قانوني يوازن بين دفع عجلة التحول الرقمي وحماية السيادة الرقمية وحقوق المواطنين.
مؤكدا أن هذا التوجه يتطلب مأسسة الحكامة عبر إحداث آلية وطنية لتتبع ومراقبة وتدقيق عمل هذه الخوارزميات، مع تفعيل مبدأ الشفافية الكاملة الذي يلزم المؤسسات والهيئات المستعملة للذكاء الاصطناعي بإعلام المستخدمين مسبقا بطبيعة الأنظمة الآلية التي يتعاملون معها في إطار الحق الكوني الانساني وهو حق الاختيار.
كما يستوجب الضبط التشريعي، يضيف اعبا، تقييد هذه التقنيات بقواعد صارمة تمنع التزييف ونشر الأخبار الزائفة، مع تحديد مجالات استعمال الذكاء الاصطناعي بدقة وضبط حدوده التنظيمية في الحياة العامة، وكذا ربط هذه الخوارزميات بشكل حصري ومباشر بمرجعيات الأمن السيبراني والقوانين الوطنية المتعلقة بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي.
فالمسألة لم تعد تتعلق بوضع نصوص قانونية مستقبلية، بل بقدرة البرلمان على فهم آلية عمل الذكاء الاصطناعي نفسه، من حيث البيانات التي يعتمد عليها، وطريقة اتخاذ القرار داخله، وحدود تأثيره على الحقوق والحريات.
وما بين الحاجة إلى الابتكار التكنولوجي وضرورة حماية المجال العام، يجد البرلمان المغربي نفسه أمام تحدي غير مسبوق: كيف يمكن مراقبة شيء لا يمكن رؤيته ولا يعمل بمنطق بشري مباشر؟
إنها معركة جديدة عنوانها الأكبر ليس فقط تنظيم الذكاء الاصطناعي، بل محاسبة الخوارزميات باسم القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان.