لم تعد الحاجة إلى إحداث فضاء لإيواء الفنانين المغاربة كبار السن الذين يواجهون أوضاعا اجتماعية صعبة مجرد فكرة إنسانية عابرة، بل أصبحت ضرورة ملحة تفرضها قصص كثيرة لفنانين أعطوا الكثير للساحة الفنية المغربية، قبل أن يجد بعضهم أنفسهم في مواجهة المرض أو العزلة أو ضيق الحال، بعيدا عن الأضواء التي صنعت شهرتهم.
وتقدم التجربة المصرية نموذجا لافتا في هذا المجال، بعدما نجحت نقابة المهن التمثيلية في إنشاء “دار إقامة كبار الفنانين”، التي تحولت إلى ملاذ آمن للفنانين المتقدمين في السن، حيث توفر لهم الإقامة المجانية والرعاية الصحية والنفسية والاجتماعية، في إطار يحفظ كرامتهم ويمنحهم فرصة العيش وسط زملائهم وأصدقائهم، بعيدا عن الصورة التقليدية لدور المسنين.
وفي المغرب، سبق أن أثارت حالات عدد من الفنانين الذين عانوا المرض والفقر والعزلة تعاطفا واسعا لدى الرأي العام، كما شهدت مواقع التواصل الاجتماعي حملات تضامن متكررة مع أسماء فنية وجدت نفسها في أوضاع صعبة بعد سنوات من العطاء.
وهي مشاهد أعادت إلى الواجهة سؤال الوفاء لمن ساهموا في بناء الذاكرة الفنية الوطنية، ومدى الحاجة إلى آلية مؤسساتية دائمة تضمن لهم حياة كريمة.
علما أنه يمكن لمثل هذا المشروع أن يرى النور بشراكة بين وزارة الشباب والثقافة والتواصل، والنقابات الفنية، والمؤسسة المغربية لحقوق المؤلفين، إلى جانب مساهمة القطاع الخاص والمحسنين، حتى يتحول إلى فضاء يوفر الإقامة والرعاية الطبية والنفسية والأنشطة الثقافية، ويحافظ على الروابط الاجتماعية بين الفنانين، بدل الاكتفاء بالمساعدات الظرفية التي تظهر في لحظات الأزمات.
فالفنان الذي أمتع أجيالا من المغاربة وأسهم في تشكيل وجدانهم الجماعي، يستحق أن يجد في خريف العمر مكانا آمنا يحفظ كرامته، ويؤكد أن المجتمع لا ينسى أبناءه الذين صنعوا جزءا من ذاكرته الثقافية.
وفي انتظار مبادرة حكومية، تثبت التجربة المصرية أن مثل هذه المبادرات ليست حلما مستحيلا، بل مشروعا قابلا للتحقيق متى توفرت الإرادة والرؤية والتعاون بين مختلف المتدخلين.